الشيخ محمد الصادقي

191

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

« قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ » وهم أشراف القوم وخواصهم الذين يملأون بكثرتهم وقوتهم العيون والقلوب ، وتمتلئ منهم صدور المجالس فهم المستكبرون من قومه ، والملأ في الأصل بين ملأ الشر وملأ الخير ومن الخير : « لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ » ( 37 : ) 8 ) ويقابلهم الملأ الأدنى وهم الشريرون المعارضون للرسالات على طول الخط ، وهنا قالوا : « إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ » حيث تخالف ما نعيشه من حياة الإشراك والحرية الشهوانية ، ونحن أركان المجتمع وأصوله ، فما يعارضنا - ونحن على هدى الحياة الراقية - إلّا من هو في ضلال مبين . وكيف يواجههم نوح ( عليه السّلام ) أمام رمية الضلالة وهي شر رمية ؟ إنه فقط سلب لها إيجابا لرسالته من رب العالمين : « قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ » ، فلو كانت الرسالة الربانية - الثابتة لي بمثبتاتها - ضلالة ، فأنا إذا في ضلال مبين ، لأن ربي مضل وأنتم على هدى ! فهل أنتم مائلون إلى هذه الطنطنة الغوغاء ، قائلون غائلون هذه الغائلة النكراء ؟ وأنتم ترونه رب الأرباب ! . وترى كيف يجيب عن « ضَلالٍ مُبِينٍ » ب « لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ » دون « ضَلالٍ مُبِينٍ » نفسه سلبا لما أثبتوه ؟ علّه يعني ب « ضلالة » كل أنواعها لا فقط « ضَلالٍ مُبِينٍ » ف « لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ » من مبين وغير مبين . « أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي » دونما زيادة أو نقصان ، وقد يعني جمع « رسالات » دون « رسالة » الجمعية الرسالية ، في جمعية الأصول والفروع الأحكامية ، فان كل زاوية من زوايا الرسالة هي رسالة ، مهما كانت مجموعها أيضا رسالة ، « وَأَنْصَحُ لَكُمْ » لصالحكم « وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ » رسالة « ما لا تَعْلَمُونَ » منفصلين عن رسالة اللّه . فقد اختصرت واحتصرت رسالة نوح ( عليه السّلام ) في مثلث هو هندسة لصرح الرسالات كلها : 1 « أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي » تبليغا بليغا بالحجج الربانية الكافية الوافية . 2 « وَأَنْصَحُ لَكُمْ » نضجا لبراهين الرسالة وفرامينها في قلوب بذلك